الرئيسية صفحات من تاريخ ثورة التحرير الأمير عبد القادر الجزائري (شبهات وحائق)

الأمير عبد القادر الجزائري (شبهات وحائق)



مقدمــــــة
لعل من أسوأ سوءات الحياة أن يضطرك البعض من إخوانك وأبناء وطنك بالعودة إلى أبجديات
الفكر األولى لتقييم الرجال واألبطال والعظماء بعد أن تكون قد امتألت يقينا بأنك لا حاجة لك بالعودة إليها والتحدث فيها و خاصة إذا ما عززتها الشواهد الدينية و التاريخية و شواهد الواقع.

و لكنك تصطدم أحيانا بوضع اقل ما يقال عنه انه مزري مرير مرارة العلقم يفرض عليك هذه العودة مجبرا غير مختار….?!!!
نعم وكيف gh يعتريني هذا الشعور بالغرابة !! وكيف لا يشعر المرؤ بتلك الحيرة و هو يعيش يوميا هذا التكالب
المسعور وهذا التحامل المخطط له بمنهجية محكمة على البلاد وعلى أكبر  شخصية وأعظم قائد عرفته الجزائر?! .

         وقبل أن أشق غمار البحث في هذا الموضوع بجدر بي أن أنبه المتلقي إلى أنه قد أنشأت بالدول الكبرى كالاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية وأوربا وزارات تسمى – وزارات الحقيقة – هدفها غسل األدمغة وتشويه الحقيقة وإعادة كتابة التاريخ وفق ما يناسب وتوجهاتها السياسية والثقافية .

ومما قاله أحد المؤسسين لهذه الفكرة :”الخطوة الأولى في تصفية شعب ما  ?? : هي أن تمسح ذاكرته، تد ّمر ُكتُبَه تشككه في ثقاف ، وتاريخه، ثم تجعل شخصا ما يكتب كتُبًا جديدة ، ويصنع ثقافة جديدة ، ثم يخترع تاريخا جديدًا .ولن يمر وقتا  طويل حتى تبدأ تلك الأمة بنسيان ماذا تكون وماذا كانت……”.
إذن فهم يدركون أن التاريخ هو مصدر الهام الامم وقوة الدفع الخفية لشعوبها نحو إثبات الذات وإحراز التقدم والرقي واالزدهار
هذه حقيقة ثابتة فطمت عليها المجتمعات اإلنسانية منذ الأزل ، وليس هناك أي امة من أمم الأرض تطمح للوصول إلي غاياتها وأهدافها المرسومة في التقدم والتطور إن لم تضع التاريخ ركيزة أساسية في صنع
أجيالها المتعاقبة ، فللتاريخ دور جوهري وأساسي في تكوين أي جيل قوي صامد لا تهزه هزات الزمن ولاتوقف رقيه تدهور الحالات والأوضاع.
إن غيرنا يعمد إلى محاولة هدم تلك الأسس وتحطيم الدعائم و القواعد التي بناها صناع هذا التاريخ بكل مكر ودهاء
” …و يمكرون و يمكر هللا وهللا خير الماكرين” اآلية 03 من سور األنفال
كلمة للتاريخ
إن الدافع لكتابة هذه الكلمات قوي بما يكفي لتفجير طاقاتي الكامنة وإرهاصات تلك الأفكار
المتنازعة داخل كيان    ووجداني أي جزائري أصيل لتكون سهاما للحق في نحر المغرضين  
إن المتربصون بهذا الوطنانتعشت سوقهم خلال هذه الأونة الأخيرة في مسعى منضم لضرب كل ما هو أصيل وثابت في تاريخ هذه الأمة
 وتشويه صورة هذا الرمز في أعين الناشئة و التقليل من شأنه. لأكبر ذليل على ما أقول
إن هذا الرجل الشامخ شموخ الجبال،أكبر من أن تنال منه مجرد إشاعات مغرضة واهية يروج لها
الحاقدين على هذا الشعب المجيد الذي قهر أعتى قوة عرفها العصر الحديث ،و لم يرضخ يوما و لم يقبل
الهوان لحظة عبر التاريخ.

لقد كان الأمير عبد القادر الجزائري مثال يقتدى به ونبراسا أضاء طريق شعبه ، لتنتهي حركته بثورة نوفمبر الخالدة التي أشعل فتيلها أحفاده من بعده.

وقبل الرد على تلك الغربان الناعقة والأبواق المغرضة التي مافتئت تدس سمومها الناقعة وسط شبابنا لتشويه تاريخ هذا البطل والتشكيك في رمزيته حتى لا يقتدي به ولايكون مثله الأعلى فيتقمص من خصال شخصيته ويحذو حذوه…
وجدت من الضروري أن أقف وقفات عابرة على تلك الحقبة التي عاشها ومن خلالها أعرج بكم على الشواهد التي تدحض مكر الماكرين.
نشأته و حياته
لقد نشأ و شب وأيفع وترعرع في محيط ديني علمي و ثقافي ، كانت ملكاته العقلية تدل على نبوغ غير عادي ،تعلم القراءة والكتابة وهو في الخامسة من عمره حفظ القرآن الكريم و علم ألصول والفقه وعمره لم يتعدى الإثنى عشرة سنة مكنته ملكته هذه واستعداده الفطري أن يصبح مدرسا في هذه الفترة بزاوية أبيه حيث أصبح يفسر ويعقب عن أعمق الآيات والشواهد , وفي السابعة عشرة من عمره
اشتهر بين أترابه بقوته العجيبة في التحمل ونشاطه الخارق للعادة فهيئته المتكاملة والمتناسقة مكنته من إتقان فنون القتال والفروسية فتربع على عرش فرسان عصره بلا منازع وهكذا نضجت ثمار تلك الشجرة
التي رباها ورعاها الشيخ محي الدين وسكب فيها كل ما يملك من عطف وحنان
وهو الذي لم يكن همالً بين الناس ولا نسيا منسي ،ولم يكن كحجرة ملقاة في قارعة الطريق . بل كان وجيها محترما لا يسكت على الظلم ولا يرضى بالهوان ،مقت التسلط العثماني والانكشاري،فانتفض انتفاضة الاسد من عرينه وأبدى مواقف صريحة ضد تلك السياسة المنتهجة آنذاك فكان من التحصيل الحاصل أن يصطدم مع حاكم وهران حينها وأدى ذلك الاصطدام إلى تحديد إقامته في بيته، مع أبنه، و بعد سنتين من الاحتجاز تدخل داي الجزائر فأذن لهما بالخروج للحج عام 1421هـ/ 1241م، وشق طريقهما إلى
تونس ثم مصر ثم الحجاز ثم البالد الشامية ثم بغداد، ثم العودة إلى الحجاز ، فالجزائر مرورا بمصر وبرقة
وطرابلس ثم تونس،فكانت لعبد القادر رحلة تعلم ومشاهدة ومعايشة للوطن العربي في هذه الفترة من
تاريخه، ، ولم يمض وقت طويل حتى تعرضت الجزائر لحملة عسكرية فرنسية شرسة، تمكنت فرنسا من احتلال العاصمة. و بعد هروب الحاكم العثماني، دب الشقاق بين زعماء القبائل ووجهاء العشائر دبيب لبغضاء في الأحشاء فأصبح من الضروري البحث عن زعيم يوحد رأي العشائر و يقودها.المبايعة
 وقفت الاهالي محتارة في أمرها للبحث عن قائد يحمل الأمانة و يخوض غمار الجهاد ضد الغزاة
المعتدين واستقر الرأي على “محيي الدين الحسني” وعرضوا عليهالأمر، ولكن الرجل اعتذر عن الإمارة
وقبل قيادة الجهاد ، فحقق عدة انتصارات على العدو، و كان عبد القادر على رأس الجيش في كثير من هذه
االنتصارات، لكن كبر سن محي الدين حال دونه ودون مواصلة القيادة لذا اقترح ابنه ليتقدم لهذا المنصب
، وتمت مبايعته تحت شجرة الدردار، ولقبه والده بـ “ناصر الدين”الذي لم يكن أميرا بالوراثة أو التعيين
كما لاحظنا بل كرمه الشعب بهذا اللقب لما عرف عنه من حزم وشدة وإقدام فبايعه كما بويع الرسول صلى
هللا عليه وسلم تحت الشجرة وعمره ال يتجاوز الرابعة والعشرون سنة
وكان ذلك في 10 رجب 1422هـ الموافق 43 نوفمبر 1204 .وال يفوتنا هنا أن نشير إلى انه خالل تلك
الفترة تلقى الشاب مجموعة من العلوم فدرس الفقه والحديث وحفظ صحيح البخاري ومسلم، كما تلقى ألألفية في النحو، وغيرها من العلوم الأخرى وبهذا اكتمل لألمير العلم الشرعي، والعلم العقلي، والرحلة والمشاهدة،
والخبرة العسكرية في ميدان القتال، وعلى ذلك فإن الأمير الشاب تكاملت لديه مؤهالت تجعله كفأ لهذه المكانة.
تلك هي الداللة على انه تربى في محيط ديني عقائدي من ساللة طاهرة يعود أصلها إلى محمد رسول صلى الله عليه وسلم  ،إذ ارتوى من نهر الشريعة السمحاء يستحيل معها أن تجره إلى الردة والتخاذل واالرتماء في أوحال
الماسونية فمن شب على شيء شاب عليه.
وتتجلى الدلالة أكثر حين نرى تلك الصبغة العقائدية والرمزية الهائلة المتفجرة من ينبوع الشريعة
الاسلامية التي نهل منها أيام طفولته وارتوى من بحرها أيام شبابه ومازال ينهل منها إلى أخر أيام حياته
في تسميته لجيشه باسم الجيش المحمدي أسوة برسول الله صلى الله عليه وسلم وتمتد الرمزية إلى شعار الخيالة حيث يميزه بعالمتين من الذهب مكتوب على إحداهما الحديث الشريف” الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة
” وكذلك لقائد المشاة أربع عالمات من ذهب اثنتان مكتوب عليهما اشهد أن لا اله الا الله واشهد أن محمدا رسول الله
 و رئيس سلاح المدفعية بعلامة فضية مكتوب عليها الآية الكريمة”وما رميت إذ رميت و لكن الله
رمى ” “الآية 11 من سورةالأنفال”. ولم تقتصر هذه المسحة الدينية المستوحاة من الشريعة الإسالمية على التنظيم العسكري ورتبه بل نالحظها جليا في تلك الراية التي يحملها وهو متقدما جيوشه وعليها كتب
” نصر من الله وفتح قريب ” .

كل شيء في دولة الأمير ينطق بالشريعة النبوية وينم عن ذلك التأثر العميق
بسيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم كما يتجلى ذلك أيضا من النقش على عملته الرسمية “ومن يبتغي غير السالم دينا فلن يقبل منه ” 
هذا بالنسبة للفرنكين وكذلك للفرنك الذي كتب احد وجوهه”إن الدين عند الله الاسلام “
هذا غيث من فيض وقطرة من مطر نسوقها من دولة هذا العظيم ولنا الأن أن نتساءل كيف يقبل عاقل بان
ينسلخ هذا العظيم بسهولة من جلده الذي نسجت خلاياه بخيوط القران والسنة والفقه وأصبحت حركاته وتصرفاته تشع و تنبض من وحي الشريعة المحمدية السمحاء.
بناء مؤسسات الدولة
إذن وبعد تلك المبايعة بدأت صفحات التاريخ توثق للمعركة الوطنية الأولى في الجزائر فسجلت تقلص
نفوذ الزعماء المحليين وتراجع المعارضين الداخليين أمام تزايد قوة الأمير الجديد كما كانت مقدمة لكفاحه
ضد القوات الفرنسية وبذلك غدا عبد القادر القائد العسكري الوحيد الذي سيرتبط اسمه بالدولة الجزائرية
الحديثة التي أنشأها وكونها وأسس أركانها من عدم
مستغلا كل ما لديه من تجارب وخبرات سابقة اكتسبها من خلال مراحل حياته ورحالته كما ذكرنا، فأسس:
 -ديوان الإنشاء:
ألتفت الامير إلىالادارة يبني أركانها ويحط دعائمها الأولى فأسس ديوانا لإلنشاء شبيه بوزارة الأخبار و الإعالم حاليا , وجعل لكاتب ديوان الإنشاء ختم خاص يختم به مراسيم و أوامر الأمير . نقش في دائرته بيت الشعر التالي:
“ومن تكن برسول الله نصرته إن تلقه الأسد في أسادها تجم”
 -مجلس الشورى العالي الأميري:
يتكون من اثني عشرة عضوا من كبار العلماء والعقالء.
 -الراية و العلم:
كعادة كل دولة في اختيار شعار لها، وراية تتميز عن غيرها جعل األمير رايته من الكتان و الحرير،
كتب عليها بشكل دائري عبارة ” نصر من هللا وفتح قريب، ناصر الدين عبدا لقادر بن محيي الدين “
 -التقسيم الاداري:
وبعد ما أرسى الأمير قواعد إمارته الفتية قسمها إلى مقاطعات إدارية عددها ثمانية
منظمة تنظيما دقيقا  أخذ فيه الأمير بعين الاعتبار العالقات البشرية والأوضاع الإجتماعية العامة السائدة في ذلك العصر.
 -القضاء و الوظائف الشرعية:
بعد أن تمالأمير من تقسيم البالد إداريا أقبل على الوظائف الشرعية ينظمها، فعين في كل منطقة أو دائرة
واسعة قاضيا عالما يفصل في الأحكام على مذهب الإمام مالك، علما من الأمير بأن العدل أساس الملك وأن
الحق والقانون فوق الجميع، وقد وضع شروطا لمن يولى هذا المنصب أهمها أن يكون فقيها نزيها،مشهودا له بالعفاف،والقيام بأمور الدين.
وحتى يضمن السير الحسن لسلك القضاء، اهتم بالجانب المادي لهؤالء القضاة وعيا منه بمدى تأثير المادة
على الناس” فجعل لكل قاضي مرتبا شهريا محترما وجدد في القضاء فسوى بين الناس وطبّق نصوص القانون على الجميع

وقد فصل بين القضاء المدني والعسكري، فجعل لكل قسم قاضيا خاصا يتولى البت في القضايا المطروحة أمامه ينتخب لمدة سنة، قابلة للتجديد .
ولشدة حرصه على السير الحسن للعدل في دولته ” ألحق بكل مجلس إقليمي كاتبين يقوم الأكبر منهما بدراسة الفتاوى التي تصدر عن القاضي فيبت بالثانوية منها، ويحمل الاساسية إلى – العاصمة معسكر- للحكم فيها “
وربط إدارة هؤلائي القضاة بمراجعة العالمة قاضي القضاة السيد أحمد بن الهاشمي المراحي رئيس مجلسه الخاص.
كما حرص على أن تكون أحكام القضاء المدني والعسكري وفقا للشريعة اإلسالمية التي جعلها الأمير
المصدر الأساسي والوحيد لحكم دولته فجاءت الأحكام مستمدة من الكتاب والسنة والإجتهاد، سعيا من
الأمير في بعث دولة تذكر الشعب بعهود الخلفاء الراشدين رضوان هللا عليهم، ولتمسح الصورة السيئة لحكم
الأتراك باعتبار أن نجاح الدولة الفتية في رأيه لا سبيل إليه إلا بإزالة الفساد الموروث ” والعمل على تغيير العالقات القديمة، أو علىالأقل تعديلها بقدر ما تتيح بذلك الظروف والإمكانات، فيحقق الشعب الجزائري وحدته”
 -التربية و التعليم:
وإلى جانب ذلك اهتم الأمير بمحاربة الفساد األخالقي،والأفات االجتماعية فألغى البغاء ومنع شرب الخمر
وتعاطيها في جميع أنحاء إمارته، كما حرم على جنده لعب الورق” ومنع على الرجال استعمال الذهب
والفضة، إلا في الأسلحة وعلى الخيول، وأمر بالصلوات الخمس أن تكون في الجوامع.”
وكان على يقين بأن حجر الأساس في دولته الفتية هو االهتمام بالكتب والمراجع مهما كانت قيمتها العلمية
والأدبية ولذلك”كان يبذل كل غال ونفيس في استحضار الكتب وجلبها من كل األصقاع، سواء كان ذلك عنده
بالشراء أو النسخ أو النقل، وأصدر في ذلك أمره للجند بالمحافظة التامة على ما يقع بأيديهم من الكتب
متوعدا في أمره هذا كل ما يبلغه عنه أنه أهان كتابا أو ألقاه أو احتقر شأنه،وحرصا منالأمير على هذه
الكتب والمؤلفات فقد حملها معه لما سقطت تاقدامت بيد العدو – مع عاصمته الجديدة ” الزمالة “
 -تنظيم الجيش
أما الجيش فهو أول من كونه وجعل منه جيشا وطنيا منظما وموحدا بناه من العدم وهيأ له كل الوسائل
وأنشأ مصانع تنتج األسلحة المالئمة و جدد في الخدمة العسكرية فجعلها واجبة على الجميع خدمة للوطن،
وجدد في مفهوم الدين والتصوف فلم تعد القادريّة هي المثل وإنما جعل وحدة الشعب كله هي الهدف و تكفل
الأمير شخصيا بتنظيمه والإشراف عليه فقسمه إلى ثالث فرق:
فرقة المشاة, الخيالة , المدفعية” ووضع دستورا أو قانونا عسكريا” يحتوي على آخر التفاصيل المتعلقة
باالنضباط والرواتب والرتب والمالبس والعدة والعتاد … وعن طريق هذه السياسة الحكيمة المنتهجة بدأت
النواة االولى لجيش نظامي تتشكل
 -الإقتصاد:
واهتم األمير بالجوانبالإقتصادية لدولته الفتية فأنشأ دارا لصك النقود وأطلق على عملته اسم المحمدية
والنصفية، وكتب على وجه المحمدية الآية الكريمة ( إن الدين عندالله الإسلام)وكتب على النصفية (حسبنا الله ونعم الوكيل)
  وأنه َجدَّدَ في االقتصاد بإبطال الضرائب على الرعيّة  ، والإبقاء فقط على الزكاة و العشور.
 -العالقات الخارجية:
أ ّن الأمير هو مؤسس الوطنية والسيادة في الجزائر، لذلك فان الفرنسيين كانوا يحسبون ألف حساب لعبد القادر, الشخصيّة التي رسمت للمسلمين المثال الذي يمكن أن يقتدى به في خلق الإمارة الإسلاميّة وإعلان الجهاد المسلح على الصليبيين المعتدين ؛ و كانوا يعلمون بأنه استطاع أن يؤسس دولة دستورها الأسلام
وينشئ جيشاً ضمن أرض الجزائر ، المحتلة ً من قبل أكبر قوة عسكرية في ذلك الزمان ، وأن يجاهدها ويكبدها الخسائر الفادحة ويحطم كبرياءها ويجبر جنراالتها على التفاوض معه فتعترف بدولته وبسيادته على أقاليم جزائرية.
ووعيا منه بأن العالقات الخارجية مع الدول األخرى تعتبر جانبا هاما إلضفاء الشرعية القانونية على دولته من خلال الاعتراف الدولي بها فيضع بذلك فرنسا أمام الأمر الواقع خاصة وأن الظروف آنذاك كانت مهيأة
نسبيا أمام الأمير نتيجة للصراع بين مختلف الدول االستعمارية حول مناطق النفوذ، فسعى جهده تآزره في
ذلك حنكته السياسية وسالمة تفكيره، وقدرته الدبلوماسية على مسايرة األحداث والتفاعل معها، فأتيح له أن
يوثق صالت دولية واسعة مكثفة ومتعددة ومتنوعة مع كثير من ساسة العالم وقادته العسكريين
والسياسيين والمفكرين، وحظي بالتقدير والإكبار من طرف الجميع فتعددت مراسالته واتصلاته مع الأنجليز
عن طريق قناصلها في طنجة ومدريد طالبا التأييد والمساعدة، عارضا بعض الإمتيازات عليهم، لما عرف عن الأنجليز من شدة المنافسة لفرنسا، واتبع ذلك مع الحكومة الأمريكية طالبا الدعم موضحا لها مواقفه من الإستعمار الفرنسي، مقابل امتيازات لألسطول الأمريكي، ونفس السبيل سلكه أيضا مع اسبانيا التي
كانت ترغب أيضا في منافسة الدول الإستعمارية الأخرى، هذه صورة مصغرة لدولة الأمير عبد القادر المولودة من عدم .
التكالب على دولة الأمير
إن ظهور دولة إسالمية بهذا الشكل وهذه السرعة فيها كل مقومات الدولة الحديثة جعلها عرضتا لكل
أنواع التكالب والتآمر, فجردت السيوف والأقالم من أجل تحطيمها وطمس كل معالمها
دولة لم تحاربها فقط جيوش فرنسا حبًا في التسلط والبطولة وطمعًا في إنشاء إمبراطوريّة ، ولم يقف ضدّها
فقط “الكولون” (يعني المستوطنينالأوربيين) بمحاريثهم ومعاولهم وأموالهم لكي يستغلوا الأرض
حاربتها أيضا(الصهيونية)، كما حاربها سالطين المغتصبة وسخرت  ، الكنيسة و الماسونية كل الدسائس والحيل لتشويه صورة هذه الدولة مستغلة ضعاف النفوس من المسلمين 
  وحتى بعض علمائهم الإنتهازيين لقد حاربتها  الكنيسة لانها أدركت أنها حركة جهاد إسالمي متوثبة
فيها انتعاش ونهضة لإلسلام الراكد إذا انتصرت،ستكون نهايتها الابدية  وتآمرت عليها الماسونية خصو ًصا في الدوائر المحيطة
بالحكومة الفرنسية وحاشية الملك والمستشرقين الذين توافدوا على الجزائر ،إن دولة الأمير كانت دولة
عربيّة إسلامية ، شريفة ، لو انتصرت لكانت خطراً عظيماً على مخططات الماسونية ـ الصهيونية في
الشرق!!، ولكانت أول دولة تو ّحد العرب على كلمة الجهاد كما و ّحدتهم عليها زمن الرسول صلى هللا عليه
وسلم ، وزمن الخلفاء الراشدين.كما يقول الدكتور أبي القاسم سعد هللا في كتابه  الحركة الوطنية الجزائرية
، ويتابع الأستاذ أبو القاسم فيقول :  وقال فريق من الكتّاب الفرنسيين :  الأمير رجل دين وجهاد وتصّوف ، وقالوا : إ ّن الِدّين تغلّب على دولته في جميع مجالاتها ومظاهرها : الجيش ، المالية ، القضاء،
حتى العملة “عبد القادر وعبد الكريم” في مجلة الدراسات اآلسيوية واإلفريقية ص120ـ 103.
هذا قديما .

أما حديثا فإننا نالحظ بان تشرشل هو أول من نسب وزعم دخولالأمير في »الجمعية
الماسونية« من دون تقديم أي دليل سوى, رغبة المؤلف السياسية والدعائية خدمة لمحافل الجمعية الماسونية في الجزائر. ولم تقتصر جهود هذه المحافل على قول تشرشل وإنما عمدوا إلى تزوير رسائل، ادعوا إنها من
الأمير وبخط يده ولكن خبراء الخطوط اثبتوا بطرق علمية إن هذه الرسائل كتبت بخط غير خط الأمير
والأسلوب ليس اسلونه كما أكدت ذلك حفيدته بديعة في بعض كتاباتها . وأكدت أيضا أن الأمير لم ينتسب
في حياته إلى أي جمعية سواء كانت خيرية او غير ذلك. وفي عصرنا، وهو عصر المعطيات العلمية، لنت تاح الفرصة أمام أي مستشرق لتشويه التاريخ كما كان يحدث في الماضي فالتكنولجيا الحديثة كفيلة بدحض كل الادعاءات وكشف تزوير المخطاطات التي كانت نتسب زورا وبهتانا للأمير 
إذا كما نالحظ فمبرر التحامل على شخصية الأمير عبد القادر قائم وله دوافعه وأسبابه.وسيبقى وسيضل
قائما إن لم نتصدى له بقوة الحجة وأدلة الإقناع , فما أشبه األمس باليوم فاألمير عبد القادر مازال يخيف
الغرب والصلبين وهو في قبره ومازال يحسب له ألف حساب وهو بين يدي خالقه وبارئه
واجد نفسي اتفق كل الإتفاق مع الدكتور سعد هللا حين يقول : )) إ ّن الأمير في نظري هو موقظ الضمير الذي بلغ سبعة عشر عاما . لقد كان هدفه الأساسي ً هو
إيقاظ وإذكاء ذلك الضمير بجعل الجهادَ في سبيل الله وسيلة ، والوحدة الشعبية هدفاً . ولعل الأمير قرأ جيداً
واستفاد كثيراً من مقولة ابن خلدون :”إ ّن العر َب لا تجتمع إلا على عصبيّة أو دين “فجعل الأمير العصبية
نصب عينيه واستحضر عهد البعثة النبوية وعهد الصحابة ، ولم يكن يفّرق في ذلك بين أبناء الجزائر في
الأصل فقد كانوا عنده جميعاً عرباً ومسلمين ، سواء كانوا سكان مدن أو جبال أو صحار ،    . ويكتب التاريخ  أنه لم يرتح لبعض زعماء الكراغلة )وهم أبناء الأتراك ّ  وهم مولودون في الجزائر من اباء اتراك لقد تعاونو مع العدو ضد دولته 
  
ولقد انتهج سلوكات مع الطرق الصوفية إذ كان يُخاطب الجميع بلغة الِدّين والوطن والوحدة ويُذكرهم بماضيهم
المجيد   . ولذلك أحبّه الجميع وندم الذين خالفوه أحياناً بهم في التحرر والنهضة واالعتماد على
على فعلهم وجاؤوه تائبين متوسلين . وقد عرفوا قدره أكثر بعد أن غاب عنهم وترك فراغاً لم تمأله أيّة
شخصيّة من بعده ،الا أن كل من ظهر بعده كان يفتقر إلى العناصر التي تمتع بها الأمير ،
وهي تحديد الهدف وخدمته بكل الوسائل : الحرب والدبلوماسية والشجاعة والرأي والأخالص.
اتهام الأمير باالإستسالم
أما عن الإستسالم فسأبدأ كلمتي من نهاية ملحمة الأمير وانقل كالاما لهنري تشرتشل في كتابه حياة الأمير
ص 420 ” ولم يستطع عبد القادر أن يكتب مطالبه الن المطر كان ما يزال ينزل بغزارة ثم اخذ قطعة من الورق ووضع عليها خاتمه وأرسلها في الحال مع فارسين وكلفهما بإظهار خاتمه إلى الجنرال الفرنسي كعالمة على التفويض منه لهما بإبداء المطالب التي سيقدمونها باسمه شفويا .” — انتهى كلام تشرتشل-
 لقد سقت هذا المقطع من
كالام الضابط لبريطاني هنري تشرتشل وهو يصف
اللحظات الأخيرة لما اسماه “االأستسالم “لأضع المتلقي الكريم في صورة الحقد والغل على هذه الشخصية
من قبل هذا الكاتب الذي جرد قلمه المسموم لتشويه صورت الأمير ووصفه بقائد فاشل منهزم منكسر خائب
. إن المتمعن في هذا الكلام تتجلى له الصورة التي يريد أن يرسخها هذا الضابط الأنجليزي في فكر أبنائنا .
أنه أول من كتب عن الأمير عبد القادر وهو الذي زاره عام 1210 عندما وصل إلى دمشق ،و هو يقول
في مقدمة كتابه الذي ترجمه الدكتور أبو القاسم سعد الله ” إن الأمير كان شحيحا بوقته و أنه لم يتكلم معه
الأ عن معاركه فقط ،و لم يتكلم معه عن خروجه من الجزائر ” لذا أراد هذا الضابط أن يعطي نشوة النصر
لنابليون بدليل أنه أهدى الكتاب له ، والملاحظ أن الفصول الأولى من الكتاب أعطت الأمير عبد القادر حقه ،
لكن في الفصول الأخرية يتكلم عن إنسان أخر لاعالقة له بالأمير عبد القادر كما أشرنا إليه أنفا و وبرئي
استعمل هذا الأسلوب في الكتابة ليرسخ فكرة الإستسالم في ذهن المتلقي بطريقة خبيثة وبدهاء فائق بدأ المقدمة بذلك الاسلوب الجذاب عن شخصية الامير وختمتها بتصويره كاقائد خائن وفاشل ان هذا الكتاب يستحق أن يوضع تحت مجهر الدراسة وكشف تلك السموم الناقعة المدسوسة والرد عليها رادا شافيا لأن المجال هنا ليس هو مجال الرد على هذا الكتاب فقد قالت الأميرة بديعة وهي باحثة وكاتبة مختصة في التاريخ،”.. إن الأستسالم هو قضية لم يفكر بها عبد القادر يوما، مضيفة إن الأمير عبد القادر طلب من الجنرال المورسيار الهجرة إلى عكا، وعلى هذا الأساس وقع الاتفاق . سماها بـاستئمان زمني
وجاءت ضرورة هجرة الأمير بعد الضغوط التي مورست عليه والحرب التي شنها ضده  السلطان المغربي عبد الرحمان بن هشام.
وذكرت أن السلطات الإستعمارية خططت للقضاء عل.ى المقاومة الشعبية الجزائرية، بالقضاء على شخص الأمير، باالستعانة بالسلطان المغربي، بعد أن فشلت في القضاء عليه لوحدها، ولذلك عمد الجنرال بيجو إلى تحريض عبد الرحمان بن هشام على األمير، وأقنعه بحجة أن الأمير عبد القادر سيستولي على عرشه،

وتضيف الأميرة بديعة أن فرنسا لم تكتف بهذه الخطة فقط، بل إنها هددت السلطان المغربي باحتالال بلده،خاصة وأن المراكشيين التحموا حول الأمير
بعد قصف أغادير بالقنابل، مما دفع به إلى عقد اتفاقية مع الجنرال بيجو في 1222 ،يقضي بشن حرب على الأمير عبد القادر”.
وأوضحت الباحثة أن الهجوم وقع فعال، وتمت المعركة يوما كامال، انتصر فيها الأمير عبد القادر، في البداية لكن الغلبة كانت للمغاربة في الأخير أجبر على الانسحاب ووقف القتال
 و كان أمامه بعد هذه الحادثة وبعد أن حوصر بذلك الشكل ثالث خيارات: إما أن يعلن الحرب ضد قومه من
المسلمين حتى و إن كانوا من القوات المراكشية أو من الداخل من القوات التي يئست من المقاومة بعد11عاما من الحرب ،أو أن يتراجع إلى الصحراء فيموت هو ومن معه في تلك الفيافي المقفرة أو يهجر كما هجر الرسول )ص( من مكة إلى المدينة ،فالهجرة في القرآن موقف شرعي ،و هذا هو الغائب عن ذهن
الكثيرين ، و هو ما يغيب عن الكتابات التاريخية
لأن معظمها إما كتب بيد أجنبية أو استند في الداللة عليها
والحقيقة الواجب التمسك بها هي أن الأمير عبد القادر لم يرفع راية االستسلام البيضاء لأن ذلك خذلان ،
و إنما وبعد موافقة مجلسه الشوري وقع على عقد الإستئمان بموجبه تسمح له فرنسا بالهجرة هو من معه
عبر البحر الأبيض المتوسط إلى مكة أو عكا التي فيها حاكم عثماني يرفض الإستعمار، ولا يعترف بوجوده
في الجزائر . لكن الفرنسيين ورغم وعودهم وعهودهم قاموا بتحويل الباخرة التي حملت الأمير ومن معه إلى قلعت المالق lamalgurgue ليسجن هناك .
وقد جاء في كتاب الدكتور يحي بوعزيز )الأمير عبد القادر رائد الكفاح الجزائري( صفحة 22 ” وبينما
الأمير ينتظر وصولها – أي الباخرة – إلى المشرق إذا بها تتلقى أمر إرسائها بمرسى تولون في غرة جانفي 1222 وإذا بحاكم طولون يقف أمام الأمير ليقول له إني مأمور بإنزالك هنا في برج  المالك  الحربي حتى تأتي  الأوامر الجديدة من باريس فتأسف الأمير لهذه الخيانة وقال في مراسلة وجهها إلى الملك
الفرنسي : لو كنا نعلم الحال يؤول إلى ما أل  , لم نترك القتال حتى تنقضي منا الأجال ر”
ونقرأ بعد ذلك بأن الجنرال دوماس ” جاء مكلفا رسميا من الفرنسيين ‘ أن يتقدم إليه بأسخى العروض إذا رضي فقط أن ينسى الوعد الرسمي الذي أعطاه له الجنرال المورسيير والدوق دومال ” حياةالأمير عبد القار 411ص
هكذا تقوم الساعة وهكذا ترجف الراجفة وهذا تطوى السماء طي السجل للكتاب . إننا من خلال هذه الصفحات ندعو الفرنسيين ليقرءوا تاريخ أجداهم ويقفوا على هذه الحقائق المخزية والمواقف المشينة!! .
إن الأمير عبد القادر ارفع من أن تحوم حوله شبهات الماسونية وأسمى من أن تدنس ذيله إشاعات الخيانة
ألنه كان ملتزما بما يمليه عليه دينه وعلمه ووالءه للصالحين الذين يدركون أن عليهم واجب الوقوف وفقت
األشداء في وجه العدو الغاشم لما اغتصب أرضه سنة 1203 واستحل نسائه وعاث في األرض فسادا ثم
التشاور و المناصحة و المواعضة إلخوانه في مجلسه الشوري لما ضاقت به السبل وحوصر من كل
الجوانب وتنكر له اإلخوة والجيران في المغرب الشقيق,لم يكن إنسان متسلطاً دكتاتورا متجبرا مستبدا
برئيه بل كان حليما وحكيما يستشير كل المقربين منه ويعمل برئيهم و يشاركهم في األمر عمال بما يمليه
عليه دينه الحنيف هذا الرجل العظيم الذي لم يستسلم ولم يؤسر بأغالل الذل والهوان كما الدعى ذلك
المغرضين وروج له بعض الجزائريين دون تقديم دليل وال برهان
الخاتمة
و كا خاتمة لهذه الوقفات البسيطة تحضرني كلمة الشيخ الفضيل الورتيالني رحمه هللا حين قال :”   لذي أريد أن أوجِّه إليه الأنظار، بل أراه واجبا مقدّسا، هو أن نفرِّق دائما عند الحكم على الأحداث بين الفعل و الفاعل، فالفعل حين نتأكد من قبحه و فساده، يجب أن نعلن ذلك في صراحة و قوّة، و يجب أن نحاربه في ملأ من الدنيا، بدليل و حجة، ثمّ نبيِّن للنّاس ما هو الأصلح و الأنفع.
و أمّا فاعله، فهو بالطبع إنسان غير معصوم، فقد يكون مجتهدا فأخطأ، و قد تكون مقاييسه تختلف عن مقاييسنا، فمن حقِّه أن يتمتَّع بحرية الرأي مثلنا تماما.
و لكن لا يجوز أن نجرِّحه أو نخوِّنه، حتَّى نتأكَّد يقينا من استحقاقه للتَّجريح أو الخيانة، لأنّ تحطيم الرِّجال، الذين بنتهم أحداث الزَّمن، ليس من القضايا الهيِّنة, التي يسهل التَّصرف فيها، و لا هي بالتَّالي، من الأمور التي يجوز أن يقضى فيها بالعجلة و تحت تأثير الغضب، فانّ ذلك لا يسّر عادة إلا الأعداء، و لا ينتهي غالبا إلا إلى الشرّ. > الجزائر الثائرة (ص 129).

شاهد أيضاً

أمل جديد.. زرع كلى اصطناعية بدلاً من جلسات الغسيل!

يعاني أكثر من 10% من سكان العالم من أمراض الكلى وتتفاقم الحالات بشكل سريع حيث …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *